Sign in

شغور

أمسكت القلم، أغمضت عيني. جعلت قلمي مُرشد مساري. الهدوء هو الحاكم. هو الذي يجلب الوضوح والقوّة. الغموض يذهب بجلال القلم. بالخلوة مع النفس وأفكارها. ممّا الخوف؟ من الفقر والعوز؟ من الموت؟ من فقد الأحبّة؟ من المرض والجوع؟ وهل ترين في ذلك النهاية؟ ما هي النهاية؟ ما هو القعر؟ ما هو الحدث الجليل الذي يهزّ النفس بلا رجوع؟ لا شيء. حقاً لا شيء. الحياة تمضي.

لا شيء يُوقف الزمان ويُعلن نهايتها. لا الموت ولا الجوع ولا العوز. ولا حتى انفجار نووي ينسف نصف المدينة. الحياة تمضي. لم نمت. نحمل اشلائنا ونمضي. نحمل تجارب الرعب والخوف معنا، لكنّ الوقت لا يتوقف. …


لم أرى حباً غير مشروط كحب النساء. لم أرى أُناساً مثلهنّ تفني من أنفسها، وتُعطي من دمها لتُحيي من حولها. لا أحب أن أجعل من تضحيات الأُمهات شيئاً رومنسياً، لأنه ليس كذلك. ولأن على العالم أن يرد دين النساء، والأمهات بالتحديد، على ما دفعوه من أنفسهم لأجلنا. هذا العالم سيبقى مديوناً ومُوحشاً للأمهات, إلى أن يتعلّم الرجال الشراكة، وأن مهمة التربية ليست تفضّلاً منهم. وأنهم مُشاركون عاطفيون في مفهوم العائلة. وأنه لا يوجد أي مفهوم قداسي في فناء جسد الأمهات لإحياءنا.

وفي مديح أمي، لا أظن أني أجلُّ صلابتها كما تستحق. ولا حُبّها غير المشروط. ولا وسع قلبها في محبتها…


أذكر جيداً تلك الجلسة. أذكر أننا كُنّا في غرفة نومك، وأحضرتي لي صندوقاً كبيراً من خزانتك. أذكر أنها كانت من المرّات القليلة التي أشعر أنني نِدّاً لك، وأنني لم أعد الطفلة الصغيرة التي اعتدّي عليها. أذكر أنني كنت أرتدي كنزةً زيتية، ما زلت أقتنيها إلى الآن. أذكّر ابتسامتك حينما عبّرتُ عن إعجابي عمّا في الصندوق. أذكر الآمان والحُب الذي شعرته.

لكن بعد رحيلك، بدأت ذاكرتي تخونني. نسيت تعاليم وجهك، نسيت ما كنت ترتدينه في ذلك الوقت. شعرت أنني في سباق مع ذاكرتي لأكتب كل ما استحرضه منك لكي لا أخسرك.

للفقدان وموت ملامح عديدة، منها تطاير تفاصيل الذكريات حتى نصل…


كانوا دائمي التوسّل إلى الله بالرغبة بالثبات، وعدم الإنجرار إلى فتن هذه الدنيا وشهواتها. لكن أيُّ ثباتٍ هذا وقد إنهارت عوالمنا؟ والثبات على ماذا؟ على نُظُمٍ وحشيةٍ تبتلعنا ونحن أحياء؟

لا أمقت الثبات فحسب، بل أعاديه. أيُّ عقلٍ هذا الذي يبقى على حاله بعدما رأى من هول هذه الدنيا؟ وهل تبقى ثابت الرؤية الطوباية في شبابك وهرمك؟ ماذا فعلت فيك هذه السنين اذا بقيت على حالك؟ ألا تغضب على دوام الحال كما كان؟ ألا تهتز روحك للذين زُهقت أرواحهم، وأُخذ اللون من عيونهم والقوت من أفواههم والهواء من بيوتهم حتى أستنجدوا الله الموت مقابل ال”ثبات” على هذه الحياة؟

ألّا ترى…


أعتبر في رحلتي في هذه الحياة، أنني حاولت قصارى جهدي أن أبقى دائمة النقد لما يُعطى لي. حريصةً أن لا أبلع أي منهج أو سياق بلا تفحّص تفاصيله وأبعاده. وبطبيعة الحال، أصبحت نسويتي جزءاً منّي، لرؤيتي الكثير من الظلم حولي، وتفحصي لأبعاده ونتائجه. كونك امرأة، يُجبرك أن تكوني غاضبة على مجتمعك. رافضةً لنظمٌ تقمعك ومن تحبين. لكنّ الأصعب والأقصى هو رؤية نساء أحببتهم وأحبوكي، يتقولبوا على تلك المناهج. وأن تريهم يحاولوا قصارى جهدهم أن “ينجحوا” في “إمتحان الصلاح”، لأنك تعلمين أنهم لن ينجحوا. ولأنك تعلمين شراسة الوحش الذكوري دائم الحرص على إبقاءهم تحت جزمته. لست أدّعي أنى فائقة التحرر والدهاء،…


لو أستطيع أن أُنقذ الجميع، كل أصدقائي ومن أُحب.. من قلقهم، من كآبتهم، من تمنياتهم بإنهاء حياتهم. لو أستطيع أن أنفخ روح الحياة فيهم. لو أستطيع أن أُعيد القليل من الألوان إلى هذا الشحوب، إلى ذلك الذوبان. لو أستطيع أن أمسح على قلوبهم القلقة التي ما عرفت الهدوء منذ طويل الزمن، وأعيد بعض الهدوء إليها، بعض السكينة، بعض التوكل والتسليم.. أن الأمور ستحول إلى ما هو أجمل، إلى مكانٍ خارج هذا القلق والسواد. لربما لن نألف العتمة، لكن سنُسلّم أمرنا لله، أنه سيتوكلنا.. أنه لن يتركنا وحيدين.. وأننا معه، دائمين الحمد على جميع أقداره.. راضيين بما قُسم لنا، ساعيين إلى طلب القليل من الحياة والحب.. آملين بإبقاء خِلفةً وبِذرةً تُثمر بعدنا. لو أستطيع أن أُعيد بعض النور إلى هذه العتمة. لو أستطيع.


ممكن أنّ من الأشياء الكثيرة التي لم أكن أعي كِبر قدرها في نفسي، وكلّما أكبر أحمد الله على وجودها.. هو نعمة اللغة. نعمة وجود كلمات نستطيع من خلالها توصيل ما في رؤوسنا. قد تبدو فكرةً بغاية البدائية والبساطة، إلّا أن فيها من الونس ما كنّا قد نموت من دونه. نعمة قدرتنا على تشكيل جملٍ للإفصاح عمّا في داخلنا وبالمقابل الحصول على الحُب أو الكراهية أو الغضب أو الود.. مهما يكون.. لكنّ القدر الأدنى من وجودنا كبشر يأتي بتواصلنا مع بعضنا.. وللغة الدور الأسمى في ذلك.. ولربما لذلك كسأبقى دائمة الحب للشعر.. لأنه الفن الأسمى والأرقى في ترجمة ذواتنا.. ولربما الوسيلة…


الوجود يتمايل، والأسئلة تزدهر في حضرته.

مغرورٌ هذا الوجود. يستغلي نفسه في حضرة الآخرين. كأن طينته تختلف عن غيره.

يظن أنّ ما يولّده من ضباب، يؤهله لذاك الغرور. كأنه جبروت الروح، يأسر الأفكار، ويُخرّب النظم ويفعل ما في يشاء في النفس. كأنّه تملّك كلّ القوّة. كأنه لم يُعد هناك من مُلكٍ ينفيه أو يُحجّمه. كأنه الوحيد في هذه الأكوان.

لكنه نفسه هذا المغرور، يبكي في عتمة غرفته. يُعرّي نفسه من كبريائه ويلطم جسده بتساؤلات الكون. يبحث عن من يداوي وحدة أمراضه.

قلبه ليس سليماً الليلة، فيه خواء غريب. وعيونه ليست سليمة أيضاً، تخزّن دموعاً لم تسيل. وحيدٌ رغم كثرة المحبين.


أكبر الآلام التي خلّفتها لي الثورة، كانت الوعي. كانت ضربة إعادة إحياء الموتى. ما عدنا أشباحاً نمرّ بهذه البلاد غير آبهيين.

لكنّ هذا الإنتماء يولّد الألم، يولّد وضوحاً بمدى فداحة الواقع. يولّد غضباً لجبروت الفراعنة. يولّد عقلنة بعدم إختلاق ألم كاذب والإعتراف بالظُلمة للتعامل معها. يولّد تحرراً من صراعات وصعوبات أخذناها مأخذ القبول. استفقنا على جلّادنا، على أبالسة تمسك برقابنا، تمتص دماءنا ولا تشبع. لكن لن نؤثرهم على ما جاءنا من البيّانات والذي فطرنا.

لن نعيش سذاجة الأمل، لكننا لن نلطم صدورنا أسفاً على ما فعلوا بنا. لن تكون الهزيمة قدرنا. لن نُطبّع مع هذا الألم والإكتئاب. سيبقى المرّ مرّاً لكن سنبقى أحياء لمواجهتهم.


ما يجعل هذا الإنسان صديقاً جيّداً، ليس فقط مواساته لألمك، أو ضعفك. ولا تواجده في رحلة تغييراتك وصراعاتك وخساراتك ونجاحاتك عبر السنين. بل رغبته الحقّة في رؤيتك إنساناً أفضل، وسعيه معك للوصول للنسخة الأفضل منك، وفخره حين رؤية إنجازاتك. وتحسين ذاته ليكون سنداً أفضل. وإفصاحه الدائم عن أولوية وجودك في حياته، ورغبته في رؤيتك إنساناً أكثر سعادة ومشاركته في صنع ذلك. الأصدقاء المحبّون كثيرون، لكنّ الأصدقاء الجيدين قلائل. والجودة تأتي بالقيمة المضافة على حياتك. وهو صديقٌ جيّد ومحب معاً. لا أعلم كيف سأملأ فراغ هجرته. ولربما لن يُملأ. لربما لكلّ عابر في حياتنا مكانه الخاص. ولربما رزق الأصدقاء الحق، كباقي الأرزاق: يزيد وينقص، يذهب ويأتي. وعلينا أن نرضى بما قُسم لنا.

شغور

“.نُعير الآخر طوق نجاتنا”

Get the Medium app

A button that says 'Download on the App Store', and if clicked it will lead you to the iOS App store
A button that says 'Get it on, Google Play', and if clicked it will lead you to the Google Play store